
وقف بسيارته أمام باب بيته وأطفأ المحرّك، ولم ينزل.
فتح هاتفه واختار اسمًا قديمًا من سنوات ما قبل الزواج والأقساط والمرض، وكتب جملة من أربع كلمات «إزيّك؟ وحشتني». نظر إليها قليلًا ثم مسحها. وكتب بدلًا منها «الحمد لله كله تمام» ثم مسح هذه أيضًا. ثم أغلق الهاتف وأخذ نفسًا طويلًا ونزل وفتح الباب وهو يقول «السلام عليكم» بصوت فيه من البهجة ما يكفي لئلا يسأله أحد.
أعرف هذا الرجل. أعرف منه عشرات على كراسي العيادة وفي صفوف المسجد وفي عائلتي وعائلاتكم.
والذي منعه من إرسال أربع كلمات لم يكن كِبرًا ولا استغناءً. منعه حسابٌ صامت أجراه في ثانية واحدة وهو أنه ليس واثقًا أنه سيخرج من هذه المكالمة أخفَّ ممّا دخلها. وقد جرّب قبلها فخرج أثقل.
وهذه في تقديري بعد سنوات في هذه المهنة هي المشكلة التي لا نتكلم عنها. نحن نتكلم كثيرًا عن الوحدة ونادرًا ما نتكلم عن شيء أكثر شيوعًا منها وهو أن يكون حول الإنسان كثيرون وكلهم يزيدونه ثقلًا.
الحجر والنخلة
في أذهان الناس عن الصلابة النفسية صورةٌ واحدة رجل من حجر لا يشكو ولا يحتاج ولا يُرى منه انكسار.
والحجر هو أسوأ ما يُمثّل الصلابة. فالحجر لا ينثني، وإنما يحتمل ويحتمل ثم يتشقّق مرة واحدة من الداخل بلا إنذار. وأنا أرى هؤلاء في العيادة متأخرين دائمًا بعد سبع سنين أو عشر حين يسقط الجسد لأن النفس لم تجد منفذًا.
والصورة الأصدق عندنا في القرآن أدقّ وأرحم وهي النخلة. تنثني في العاصفة وتُلقي بعض سعفها ثم تعود. وجذعها الذي هُزّ في أضعف لحظة إنسانية عرفها كتاب الله في قوله {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ } هو نفسه الذي أطعم.
وقد جلس الباحثون يفتّشون عشرات السنين عن سرّ الذين يعبرون المصائب ولا يتكسّرون، وكانوا يتوقّعون أن يجدوا صفة نادرة كذكاء خاصّ أو جلد سميك أو مزاج بليد لا يتأثّر. فلم يجدوا شيئًا من ذلك. وجدوا أشياء عادية جدًا حتى إن آن ماستن وهي من أوسع من بحث في هذا الباب سمّت كتابها كله «السحر العادي». وعلى رأس هذا السحر العادي في كل دراسة تقريبًا وجودُ علاقة واحدة ثابتة يشعر فيها الإنسان أنه محمول.
واحدة لا عشر. ولا تحتاج أن تكون كاملة بل تحتاج أن تكون ثابتة.
ثم جاءت مراجعة كبرى جمعت مئة وثمانية وأربعين دراسة على أكثر من ثلاثمئة ألف إنسان، فوجدت أن قوّة علاقات الإنسان تُنبئ ببقائه حيًّا بقدر ما تُنبئ به عوامل نخشاها جميعًا ونحذّر منها في كل عيادة كالتدخين. أقول هذا وأنا أعرف أنه يبدو مبالَغًا فيه. وهو لا يبدو كذلك لمن قرأ الأرقام.
فالصمود في آخر ما وصل إليه الطب وفي أول ما قاله الوحي ليس عضلة في الصدر، إنه شبكة حول الإنسان.
حامل المِسك ونافخ الكِير
ولمّا أردت أن أجد ميزانًا أعطيه لمرضاي يفرّقون به بين من يحملهم ومن يستنزفهم لم أجد في كل ما قرأت أدقّ من مثَل نبويّ واحد.
«إنما مثَلُ الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المِسك ونافخ الكِير، فحامل المِسك إمّا أن يُحذيك وإمّا أن تبتاع منه وإمّا أن تجد منه ريحًا طيّبة، ونافخ الكِير إمّا أن يُحرق ثيابك وإمّا أن تجد منه ريحًا خبيثة.»
رواه البخاري ومسلم.
تأمّل دقّة الموازنة. فحاملُ المِسك ثلاثة احتمالات وكلها ربح، إمّا أن يُعطيك وإمّا أن تشتري منه وإمّا أن تجد منه ريحًا طيّبة بلا مقابل. فمجرّد الجلوس عنده مكسب.
ونافخ الكِير احتمالان وكلاهما خسارة. والمهمّ هنا ما لا يقوله المثَل صريحًا، فالكِير لا يقصد أن يحرقك وإنما يعمل فقط، والشرر لا يسأل عن نيّة أحد.
ولهذا فإن السؤال الذي أطلبه من كل مريض أن يسأله نفسه بعد كل مجلس وكل مكالمة ليس هل هذا إنسان طيّب، فأكثر الكِيرات في حياتنا طيّبةُ النيّة وبعضها يحبّنا حقًّا. السؤال هو ما الذي يتركه فيّ، وهل خرجتُ أخفَّ أم أثقل، وهل خرجتُ أوسعَ أم أضيق.
ما تحمله دائرة المِسك
أوّل ما تحمله الأمان. أن تستطيع أن تقول عندها «أنا لستُ بخير» بلا ثمن وبلا أن تصير هذه الجملة ملفًّا يُفتح عليك في خلاف بعد سنة. وعلامة الأمان ليست شعورًا غامضًا بل علامة عمليّة جدًا، وهي أنك لا تندم في الطريق على ما قلتَه.
وثانيها إصغاءٌ لا إفتاء. فحامل المِسك يسمعك إلى آخر الجملة، ونافخ الكِير يقاطعك في الدقيقة الأولى بـ«أنا كنت هعملك إيه لو مكانك». وأقولها بخبرة سنوات، إن أكثر ما يُريح الناس ليس النصيحة بل أن يُسمَعوا إلى النهاية مرّة واحدة بلا تصحيح ولا تقييم.
وثالثها صِدقٌ رحيم. أن يقول لك «أنت أخطأت» بلطف وفي وقت مناسب ووجهه إليك لا إلى الجمهور. ومن يوافقك دائمًا ليس صديقًا وإنما هو مرآة مجاملة، والمرآة التي تُجمّلك تُوقعك.
ورابعها أن يكون سَنَدًا لا وصيًّا. يحمل معك لا عنك، ويشيل الحِمل ولا يصادر القرار. وانظر دقّة موسى عليه السلام حين كُلِّف بأثقل حمل فقال ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾. فقوله «اشدُدْ به أزري» أي قوِّ به ظهري، ولم يقل اجعله يحمل عني. نبيٌّ كليم وأوّل ما سأل أن يُعطى دائرة دعم.
وخامسها أن يرفع سقفك. ينتقل بك من الشكوى إلى المعنى، ثم يسألك سؤالًا صغيرًا ثقيلًا «طيب، وإيه أصغر خطوة؟»
وخمسة تتنكّر في صورتها
وهنا الجزء الذي لا يُقال عادة في مجالس الوعظ ولا في منشورات التوعية. فنحن نحذّر من أصدقاء السوء بالمعنى الأخلاقي القديم ولا نحذّر من الدعم المزيّف. وأكثر من يستنزف الناس اليوم أشخاص لا يشربون ولا يفسقون وإنما يستنزفون بأشياء تبدو وفاءً.
النـاقِل. يستقبل سرّك ثم ينقله بحسن نيّة فيقول «أنا مش هقول لحد، بس فلان لازم يعرف عشان يساعدك». وأثره أبعد من نقل السرّ، فأنت تتعلّم بعد مرّة واحدة ألّا تبوح أبدًا فتُغلق آخر منفذ كان لك.
المُضخِّم. وهذا أخفاهم وأكثرهم ظنًّا بنفسه الخير. تجلسان ساعتين في المشكلة فيسألك عن التفاصيل ويُعيدها معك ويُخرج لك احتمالًا لم يكن قد خطر لك فيقول «وياك لو الموضوع أكبر من كده؟» فتخرجان وقد زادت المودّة بينكما وزاد ضيق صدريكما معًا. ولهذا في علم النفس اسم دقيق هو الاجترار المشترك، والبحوث فيه لافتة ومزعجة، فهو يرفع جودة الصداقة ويرفع أعراض القلق والاكتئاب في الوقت نفسه. أي أنه يُشعرك أنك وجدت أخًا وهو في حقيقته تدريب مشترك على الحفر في الحفرة ذاتها. وعلامته أنك بعد الجلسة تعرف عن المشكلة أكثر ولا تعرف عن الخطوة القادمة شيئًا.
المُبخِّس. يقول لك «ده مش حاجة، فيه ناس أحوالها أصعب منك بكتير». يظنّ أنه يهوّن وهو يُلغي شعورك ويعلّمك أن ألمك لا يستحق أن يُذكر.
القاسي بالدين. وهذا أخطرهم عندي لأنه
يسلب الإنسان آخر ما بقي له. يقول لك «لو إيمانك قوي ما كنتَ حزنت». فيصير عندك همّان، همّك وشعورك بأنك سيّئ الإيمان، فتبتعد عن الصلاة خجلًا فتفقد أقوى مصدر سكينة كان عندك. وأقول لصاحب هذه الجملة وأكثرهم أبٌ أو عمٌّ يحبّ ولا يُحسن، إن يعقوب عليه السلام حزن حتى ابيضّت عيناه، وإن النبي ﷺ بكى على ابنه وقال «إن العين تدمع والقلب يحزن»، وإن مريم عليها السلام قالت ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا﴾. فمن الذي أقنعنا أن الإيمان يمنع الحزن؟ الإيمان لا يمنع الحزن وإنما يمنع اليأس، والمسافة بينهما هي كل شيء.
المُستنزِف. العلاقة عنده في اتجاه واحد، يحضر ليأخذ ويغيب حين تحتاج.
وأنا لا أدعو إلى قطع الأرحام ولا إلى إحصاء عيوب الناس، وإنما أدعو إلى شيء واحد وهو أن تعرف كلّ واحد على حقيقته فتُنزله منزلته. ولا تذهب إلى الكِير تطلب مِسكًا ثم تلوم الكِير.
ومن هنا قاعدة أراها سبب أكثر خيباتنا في الناس، وهي أن لا تطلب من بئر أن تكون سماء. فنحن نحمّل شخصًا واحدًا كل الأدوار، أن يسمع ويحلّ ويُموّل ويُضحك ويذكّرنا بالله ويصبر على تكرارنا خمس سنوات، ثم نتّهمه بالتقصير. وهذا لا يوجد. والدائرة توزيع أدوار، فهذا للسماع وهذا للمشورة العمليّة وهذا الذي تضحك معه فتنسى ساعة وهذا الذي يعيدك إلى ربّك. وقد قال النبي ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا». البنيان لا العمود الواحد. فكلّ حجر في البنيان يحمل جزءًا ولا حجر يحمل البيت كلّه.
الدور الذي لا يعرفه أحد
وبقي أثقل ما تفعله الدائرة، وهو في تقديري سرّ المسألة كلها.
في العلاج النفسي مدرسة تُسمّى العلاج القصصي وخلاصتها أن الإنسان لا يعيش في أحداثه بل في القصة التي يرويها عن أحداثه. والأزمة الطويلة تكتب لك قصة واحدة عن نفسك ثم تُقنعك أنها كلّ ما فيك، فتقول «أنا الفاشل» و«أنا اللي مبقالوش لازمة» و«أنا اللي كل حاجة بتخرب في إيده». وهذه القصة لا تكذب تمامًا، وإنما هي تنتقي من تاريخك ما يؤكّدها وتُهمل كل ما يخالفها. وأنت في وسط الرجفة أعجز من أن ترى ما أهملته.
ولهذا فإن القصة الأخرى عن نفسك لا تثبت وحدها. تحتاج شاهدًا، إنسانًا يسمعها ويصدّقها ويُعيدها عليك حين تنساها.
وأعظم مشهد لهذا في التاريخ كلّه مذكور في أوّل صحيح البخاري.
يعود النبي ﷺ من غار حراء يرجُف فؤاده فيقول «زمّلوني زمّلوني» ثم يقول «لقد خشيتُ على نفسي».
وهذه قصة مهيمنة في أربع كلمات، أنا في خطر وشيء ما فيّ ليس على ما ينبغي.
فماذا قالت خديجة رضي الله عنها؟
لم تقل «متخافش، كله هيبقى تمام» وهي جملة الناس عادةً ولا تفعل شيئًا. ولم تقل «روح اسأل حد» وهي تأجيل مغلّف بالحكمة. قالت بعد أن طمأنته «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق».
عدّدت سجلّ خصاله. أعادت إليه قصّته كما هي في الواقع لا كما رواها له الخوف في لحظة الرجفة.
فخديجة لم تقل له لا تخف، وإنما قالت له هذا أنت.
وهذا بالمصطلح المعاصر شاهدٌ يُعيد تأليف القصة، وهو ما يعجز الإنسان عن أدائه لنفسه وهو يرجُف. ولذلك خُلقت الدوائر. وانظر كيف يصف الله سبحانه وظيفة القصص في كتابه فيقول ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. فالغرض المعلن ليس التاريخ ولا التسلية بل تثبيت الفؤاد. فإن كان الله يُثبّت فؤاد نبيّه بالقصص فلا تستهِنْ بأثر إنسان يجلس أمامك ويحكي لك مَن أنت.
ثلاثة أسماء
وأنا لا أحبّ أن يُنهي أحدٌ مقالًا بعبارة جميلة لا تُترجَم إلى شيء. فاسمح لي بثلاثة أسئلة وأرجو ألّا تجيب عنها بأفكار بل بأسماء.
مَن أستطيع أن أقول له الليلة «أنا لستُ بخير»؟ ومَن يقول لي هذا أنت حين أنكسر؟ ومَن أنا مِسكٌ له؟
فإن وجدتَ الخانة الأولى فارغة فهذه أولويّة شهرك كله لا ترفًا تؤجّله إلى ما بعد الأزمة. ابدأ بمكالمة واحدة في خمس دقائق بجملة واحدة صادقة. وإن كانت الدوائر كلها قد ضاقت بك حتى لم يبقَ فيها أحد فاعلم أن طلب مساعدة مختصّ دائرةُ دعمٍ مشروعة تمامًا وأخذٌ بالأسباب لا انكسارٌ في الإيمان.
وإن وجدتَ الخانة الثالثة فارغة فتلك أثقلها. فالدوائر لا تُستأجَر وإنما تُبنى، ومن لم يكن مِسكًا لأحد لن يجد حوله مِسكًا.
أمّا الرجل الواقف في سيارته فلم يكن ناقصًا صلابة وإنما كان ناقصًا شاهدًا. ولن تُصلح له شدّةُ ظهره ما يُصلحه إنسان واحد يقول له ما قالته خديجة.
فتّش على مِسكك، وابتعد عن كِيرك، وكُن أنت مِسكًا لأحد.
#د.صلاح جلال